الشيخ الطبرسي

180

تفسير جوامع الجامع

( إنْ ) هي المخفَّفةُ من الثّقيلةِ ، وَهُم مشركُو قريش كانُوا يقولُونَ : ( لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْراً ) كتابَاً ( مِنْ ) كُتُبِ ( الأْوَّلِينَ ) الذينَ نَزَلَ عليهِم التَّوراةُ أو ( 1 ) الإِنْجِيلُ ، لأَخْلَصْنَا الْعبادةَ للهِ ، وَلَمَا خَالَفْنَا كَمَا خَالَفُوا ، فَجَاءَهُم الذِّكْرُ ( 2 ) الذي هو سيِّدُ الأَذْكَار ، وهو المُعْجِزُ من بين الكُتُبِ ( فَكَفَرُواْ بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) عاقبةَ كُفرِهِم . الْكَلِمَةُ هي قَولُهُ : ( إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وإنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَلِبُونَ ) سَمَّاها كَلِمةً وإنْ كانَتْ كَلمات عِدَّة ؛ لأنَّها لمَّا انتَظَمَتْ في معنىً واحد كانَتْ في حُكْمِ كَلِمة مُفردة . و " هُمْ " في : ( لَهُمْ ) فَصْلٌ ، والمُرادُ : الوَعْدُ بِعلُوِّهِم على عدوِّهِم في الدُّنيا ، وعلوِّهم عليهم في الآخرة . ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ) وأَغْضِ عليهِم أَذَاهُم ( 3 ) ( حَتَّى حِين ) إلى مدّة يسيرة هي مدَّةُ الكَفِّ عن القتالِ ( وَأَبْصِرْهُمْ ) وما يُقضى عليهِم من القَتْلِ والأَسْرِ عَاجِلاً ، والعَذَابِ الأَليمِ آجِلاً ( فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ) - كَ وما يُقتضى لَكَ من النُّصْرَةِ والتأْييدِ اليومَ والثَّوابِ والنَّعيمِ غَدَاً ، والمُرادُ بالأَمْر بإبْصارِهِم على الحالِ المنتظَرةِ الموعودَةِ الدَّالةِ على أنَّها كائنةٌ لا مَحَالةَ ، قَريبةُ الوقوعِ كأَنَّها قُدَّامُ نَاظِرَيْكَ ، وفي ذلكَ تَسْليةٌ لَهُ صلوات الله عليه وآله . وكانَتْ العَرَبُ تُفاجِئُ أَعداءَهَا بالغارةِ صَبَاحَاً ، فَخَرجَ الكلامُ على عادَتِهِم ، فكأنَّ العَذَابُ الذي يَنْزلُ بساحَتِهِم جَيْشٌ نَزَلَ بساحَتِهِم فَشَنَّ عليهم الغارةُ ، ولأنَّ اللهُ سبحانَهُ أَجْرَى العادةَ بتَعذيبِ الأُمَمِ وَقْتَ الصَّباحِ ، كَمَا قَالَ : ( إنَّ مَوْعِدَهُمُ الْصُّبْحُ ) ( 4 ) والمعنى : ( فَسَآءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ) وَصَبَاحُهُم .

--> ( 1 ) في بعض النسخ : واو بدل " أو " . ( 2 ) في نسخة : " القرآن " . ( 3 ) في نسخة : " وأغْضِ على قذاهم واصبر على أَذاهم " ، يقال : أَغْضى عَيْناً عَلَى قَذى : صبر على أذَى ، المعجم الوسيط : 655 . ( 4 ) هود : 81 .